
بعد خمسين عاماً من الموت
ماذا يريد المدثر بالشعر؟
ماذا يشخبط بالضوء في عتمة القبر؟
مرت سحابته بين عينيه فاستيقظ الدود
قال أحاور معناي من بعد خمسين عاماً،
فلم يجد الظل في موضع الظل، حاول أن يستعيد الكتابة لكنه لا يحس الكناية في نفسه،
وله سبب كامن في مساء السنين الذي يتوالى على الموت كالدمع، دمع القلوب .
لست حياً ولو في المجاز فيا بدر لا تمتحنّي بتجربة الشعر في شاعر مات
والشعر في الأصلِ حيٌّ وينبض كالذكريات .
ولو قلتُ يا بدر أسرار نفسي لأتعبني فرح ضيّقٌ
ليس يقوى على المشيْ
فرح ضيّق وعليلْ
لو قلتُ موجز أنباء نفسي يا بدر لازددتَ موتاً، ويكفيك موتكْ
لا أريد لك الموت أكثر من مرة يا زميلْ
ويكفيك موتك، فلتجب الآن عن بعض أسئلتي في السياق المفخخ كالغدرْ
هل شبعتَ من الموت،
أم أن تفعيلة الموت تنتظم الآن ليلك منذ الحنين إلى آخر الليل أو مطلع الفجر؟
وهل لحن تفعيلة الموت يسهم في الحدِّ من ضجر القبر؟
وماذا عن الموت، موت الأماني خصوصاً على حين غره؟
أتموت الأماني بمجرد دفن الذي يتمنى،
أم ان الأماني تقاوم أول موتٍ،
وتحتاج للموت عشرين مره؟
وهل أنت، حيث تكون، تُصنَّفُ رائد شعر الحداثة أم لا مكان هنالك أيضاً؟
أجبني ولا تتحجج
بأن حصان الحداثة أعرج
لا تقل، سيدي، كل ما يعرف الشعراء
فالحداثة في الشعر تجربة تتنمر من دون ناب ومخلبْ
وعلى بطنها وعلى ظهرها تتقلبْ
والحداثة في الحب مطلبْ
بدعة الانتهازيِّ أغنية حرة حرة
في فضاء معلّبْ
بدعة الانتهازيِّ شعر حديث وحرٌّ،
ووزن خفيف، وسحرٌ
وطير يطير من الجيب لا القلبِ،
طير كسيح، وأرنبْ
فهل كنت أحببت بالفعل يا بدر جنية مثلما يدعي
قمر غارق في بويب ويرنو إلى لذة النهر
سألتُ عشيقاتك الشاحبات عن الوطن الأبديّ،
فجاوبن في الحال: ما من جوابْ
وكما يفعل الناقد المتعسف
أسلمنني لفضاء الوشايات فوق السحاب
واختبأن وراء النقاب
إلى أبدٍ مترفٍ مترفِ
وكأن الحداثة موت وندخل فيه، حياة حياة،
فلا تمتحن قرفي
ولا تمتحنّي سوى بسؤالي عن الطقسْ
لا تقل، سيدي، كل ما يعرف الشعراء:
مثلاً: أن حرية الشعر محض مبالغة وافتراء
مثلاً: أن أغراضه اندثرت ما عدا غرض الإنحناء
مثلاً: أن صوت المغني الشجاع يدندنه موته ليس غير
ألاحظت يا بدر؟
ألاحظت أن القوافي تحاول أو ما تزال تحاول
تطريز أفكارنا بعد خمسين عاماً بأسمائها والهجاء؟
وأن الهباء
يتدحرج في نور أعيننا، في الحياة، كما دود عينيك
يا سيدي يتدحرج
فلا تتحجج
بأن حصان الحداثة أعرج
لست حياً لأن المجاز افتراض الحقيقة في الوهم،
ثم افتراض امتلاء الفراغ بما هو ضد الفراغ
ولا كتلة تقبل اللمس إلا حدودك يا عُمرْ
ألاحظت يا بدر؟
ألاحظت مستقبل الموت
في دمه المتخثرِ والعرش عرش المللْ؟
فلا تلتفت لغد يتلفّت، من حسرة، كالطللْ
ولا تلتفت أبداً،
فحياتك لا الموت معناك والشِعرْ
ألاحظت يا بدر؟
لستَ حياً لأستحضر الآن جيكور والمفردات التي تتردد حين
تردد أنتَ فيختلط الحفل بالشعراء المجانين والعامة العقلاءْ
مثلاً:
الهوى والهواءْ
مثلاً: مومسٌ وتمارس موهبة الجنس أو
لعنة الجنس في ظلمات العماءْ
مثلاً: العذاب وإقبال، غيلان والمستحيلْ
مثلاً: الشناشيلْ
مثلاً: قبر أمك بين الفراق وبين الفراقْ
مثلاً: مطر لا يزور العراقْ
مثلاً: مطر لا يزور العراق إلى الآن .
ثم أضف: والشآمْ
مثلاً: جوعه كل عامْ
جوعه قبل خمسين عامْ
جوعه بعد خمسين عامْ
فماذا يريد المدثر بالشعر من بعد خمسين عامْ
لا أريد جواباً ولي سببانْ:
أولاً - لأني تعبتْ
ثانياً- ولأنك ميتْ
لا أريد جواباً، ولكن بغداد تحبل حتى غد الموت
بالخوف والزيف، تقتات من لحم موتى خجولين من موتهم
والسياق بطيء على لحن تفعيلة سلحفائية النبرْ
ألاحظت يا بدر؟
ألاحظت أم لم تلاحظ، فما الفرق؟
ما يستجد هو الفرق فلتستمع للنصيحة:
لن تجد غيرنا صاحياً وخصوصاً إذا كان سكرانَ أو نائماً
فلا تلتمس لواحدنا أو لنا كلنا العذر
حتى ونحن يتاماك آنا فآنا
وحتى ونحن نضيعك اليوم
من بعد خمسين عاماً وسبعين أغنيةً
يا أبانا
كتبناك في شعرنا العربي الحديث فسالت بحار من
الشوق وامتلأت شهوةً
كتبناك في حلمنا العربي الحديث، وفي سخفنا العربي الحديث،
وفي سقمنا العربي الحديث، وفي ضعفنا العربي الحديث،
وفي كل عرس، وفي كل مأتمْ
فهل ماتزال تراهن
في جنة الخلد أو في جهنم
على شعرنا العربي الحديث المضرّج
ببعض دمانا
يا أبانا
وحصان الحداثة أعرج؟
وحصان الحداثة خان الحداثة وانضم للسيرك
حتى غدا بهلوانا
وحصان الحداثة خان وخانا
ونحن نصفق حتى استعادت أصابعنا شوكها
فلا تلتفت لغد يتلفّت من دون رأسْ
ويحرسه "داعشٌ" وغموض الحداثة
في النهاية لا بد من هذا الشرح: أتوقع أنك فهمت القصيدة كلها يا بدر شاكر السياب وأنت سيد الفهم والشعر، عدا كلمة واحدة هي "داعش" وداعش اختصار لما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهو تنظيم إرهابي منبثق عن "القاعدة" وينتمي إلى الفكر الجهادي السلفي، ويسعى، كما يدعي إلى إعادة دولة الخلافة، وقد تمدد "داعش" قليلاً قليلاً حتى سقطت الموصل، وتحالفت أقطار الشرق والغرب على حربه، وسوف أمدك يا بدر بأية معلومات جديدة في مناسبات جديدة تجمعنا حتماً معاً . انتهى ولم يتبق سوى بعض أسئلةٍ:
مثلاً:
إذا كنت أحببت ليلى كمجنونها
فكيف تحملت خمسين عاماً
وأنت تسافر في الموت من دونها؟
مثلاً:
إذا شاعر لم يجرب رفاهية العيش قط
فكيف يقرر أن التعاسة للفن شرط؟
مثلاً:
أعرف أن سؤالي هذا في خمسينات القرن الماضي غير طبيعيّ
لا تصفعني وأجبني:
سنيّ أم شيعيّ؟
مثلاً:
يقال تأثرت جداً بإليوت
وهو كلام يثير لديّ الكثير من الشك والإرتياب
أبحث مثلك في شعر إليوت أو غيره
عن يباب؟
مثلاً:
ما هو رأيك يا بدرْ
في وحشة القبرْ
أقصيدة تفعيلة أم قصيدة نثرْ؟