لم تسنح لي الفرصة لزيارة مدينة الكاظمية، إلا قبل شهرين. وبسبب ظرف طارئ دخلتها من جهة مدينة الأعظمية بعد انتظار ساعة ونصف تقريبا. في نقطة التفتيش ومن حُسن الحظ ان سيارة التاكسي التي استأجرتها كانت باسم سائقها، ولولا ذلك لكان حالي كمئات الذين عبروا الجسر مشياً صوب المدينة. دخلت المدينة، وكل تصوري أنني سأرى مدينة تختلف عن مدن العراق وانحاء العاصمة بغداد. توقعت مدينة بشوارع عريضة، وأرصفة مبلطة بأناقة، حدائق ومتنزهات وجزرات وسطية تمتع النظر يتخذ منها الزائر استراحةً. كنت أتوقع أن أجد خدمات عامة، مرائب للسيارت كبيرة وواسعة، خدمات صحية تنتشر في شتى أرجائها، مثلما كنت اتوقع ان ارى جهداً خاصاً واستثنائياً لأمانة بغداد ولو في الجزء القريب من مرقد الإمام الكاظم، لكن للأسف ما رأيته كان عكس ما تمنيته، فحكايات مدينة الكاظمية لا تختلف عن حكايات بقية مناطق بغداد بالتشويه والتخريب والإهمال الذي طال كل أرجائها!
تعرجات وتخسفات
عن واقع الحال في مدينة الكاظمية أوضح المواطن عادل أموري جاويش: أولا جانب النظافة مهمل خاصة في الأزقة، فالخدمات البلدية لا تتناسب ومكانة هذه المدينة اضافة إلى مشكلة شحة المياه المستمرة. وثانياً موضوع البسطيات المنتشرة بشكل عشوائي تحتاج الى تنظيم وترتيب كي تحافظ على جمالية المدينة، نعم الوضع الاقتصادي صعب، وهذه البسطيات تعيل مئات العوائل، لكن لابد من الأخذ بنظر الحسبان جمالية المدينة المقدسة. وثالثا عدم وجود مرأب نظامي، ما يجعل موقف السيارات للنقل العام في فوضى دائمة، خاصة في ساحة عدن والحال ذاته وربما أكثر فوضى في ساحة الزهراء!
واضاف جاويش القضية الأهم، تأخير تنفيذ مشروع تطوير المنطقة المحيطة بالصحن الكاظمي حتى في مراحله الاولى، ولا أحد يعلم أين وصلت مراحل هذا المشروع المهم ؟ موضحاً أن إكساء الأزقة بالمقرنص خطوة مهمة، لكن للاسف ضررها اكثر من المنفعة. والسبب التنفيذ غير الجيد الذي نُفـذ بشكل عشوائي وأدنى من المواصفات المطلوبة، كما انه يفتقد إلى أدنى المعايير الهندسية والتخطيط العمراني حيث التعرجات والتخسفات على طوال الأرصفة.. مستطرداً الشيء الآخر هو انتشار المطاعم والمحال التجارية بشكل عشوائي في الأحياء والأزقة مع غياب دور أمانة بغداد وبلدية الكاظمية بذلك والجهات الصحية!
غنيمة وتقاسم
في أغلب مدن العراق وبسبب الخراب الذي تركه النظام السابق، وعدم الاهتمام بالبناء والإعمار، ظلت مساحات شاسعة من الأراضي متروكة، كان يُؤمل أن توزع على الفقراء او تبنى فيها مجمعات سكنية لهم او تتحول الى مشاريع خدمية وترفيهية، لكن الذي حصل انها وزِّعت على بعض المسؤولين وأقربائهم ومعارفهم وحماياتهم. ومدينة الكاظمية واحدة من هذه المناطق التي عانت من تقاسم وتغانم أراضيها، وتركها ترزخ تحت الفوضى والإهمال، فقد كان بالامكان الاستفادة من هذه الاراضي كحمامات او مرائب لخدمات السيارات وغيرها من مشاريع تخدم أهل الكاظمية وزوارها الذين يعانون من اجراءات أمنية مشددة وأحياناً مُبالغ فيها، أفقدت المدينة الكثير من نشاطها وحركتها التجارية والسياحية.
ليتني لم أعـد
الكاتب الصحفي غسان حمدان علـَّق على ما تعيشه مدينته: خلال سنوات المنافي بين عامي 1980 و2012 كنت أحاول ألا أتذكر حارات الكاظمية وأزقتها، فهي تلاحقني كأنها تشدني إليها ومع أنني سافرت إلى أقاصي الشرق الآسيوي، إلا أن رائحة الأسواق الشعبية، كانت تغطي أسواق البهارات الأسيوية! مضيفاً: ربما يعـد البعض كلامي مُبالغاً فيه، ولكن عندما يقتلع الطفل من حارته وشارعه ومنطقته، ستبقى الذكريات محفورة في أعماقه ويقوم بمقارنة الأماكن الجديدة مع بيئته، ويبقى معتقداً أن الأزقة المسقفة والضيقة هي أجمل من الشوارع العريضة في المدن الكبرى.
اللاءات والقمامة
وأوضح حمدان: ياليتني لم أعد! فهذه المدينة الأصيلة الأثيرية، أصبحت الآن مكباً للقمامة ورمزاً للتشوه الحضاري! عدت لأرى أنها مقسّمة بفعل السيطرات والسواتر، كأن هناك مناطق خاصة لفئة معينة.. عدت لأرى أنهم يهدمون البيوت المجاورة للحرم بذريعة التوسع وفتح الطريق، وقد فعلوا ذلك على حساب التاريخ وذكريات المواطنين الذين أُقتلعُوا من مكانهم وارتحلوا إلى خارج المدينة ليحلموا بها ويورثوا حلمهم إلى أطفالهم.. مستطرداً: عدت لأرى أن البيوت المهدمة تُركت وتحوّلت إلى أنقاضٍ وفي أحسن حالة تحوّلت إلى أماكن لرمي القمامة، ومع أنهم يقولون سيرفعون الأنقاض فوراً ويزيلون الأوساخ حين توفر السيولة ولكن عدم التخطيط والتسرع قادا إلى تشوّه عمراني لا يمكن نسيانه!
عدت لأرى أصحاب المواد الغذائية والحلويات يفعلون كل شيء بأيديهم المتسخة، ورأيت العجب العجاب في سوق "المخضَّر" الملاصق للحرم وهو سويق صغير أرضيته عبارة عن مياهٍ آسنة، ورأيت هناك أن الباعة يكوِّمون القمامة عند جدار الحرم... ورأيت أن هناك قائمة اللاءات الأربع التي تحرم الفرح والاختلاط وتنهي عن المسكرات والموسيقى وما من خطيب ولا إمام حسينية وجامع يحتج على القذارة والقمامة المنتشرة في أرجاء المدينة!
مدينة عالمية
سبق وأن تظاهر العشرات من أهالي مدينة الكاظمية، احتجاجاً على سوء الخدمات المقدمة، وغير المرضية التي لا تصل الى مستوى الطموح لمدينة مثل الكاظمية لها خصوصة دينية وسياحية، فهي مَعلـَم من مَعالِم بغداد والعراق، كما ان المدينة تحمل صفة مهمة لا تحملها أية مدينة في بغداد سوى الأعظمية، باعتبارهما مدناً عالمية يرتادهما الزائرون من شتى بقاع الارض وخاصة الكاظمية، إذ يقصدها الملايين من الزائرين كل عام وخاصة في ذكرى وفاة الإمام الكاظم (ع).
تهميش المدينة في زمن النظام السابق معلومة دوافعها وغاياتها، لكن الآن ما سبب ذلك التهميش والتخريب للمدينة، خاصة في مداخلها التي تشكو من الإهمال والزحام الدائم، الأمر الذي يدعو الى أهمية توسيع وتطوير هذه المداخل، خاصة ان المدنية تشهد زيارة مليونية كل عام وزيارات أسبوعية
