اخر الاخبار

Post Top Ad

Your Ad Spot

السبت، 21 نوفمبر 2015

فخ «داعش» لأوروبا    

في الاسبوع الماضي اعلن الرئيس اوباما أن «داعش» قد تم احتواؤها في العراق وسوريا، غير أن الهجوم الذي نفذته الجماعة في باريس بعد ذلك التصريح مباشرة يظهر انها تمثل تهديداً للغرب اشد اليوم من اي وقت مضى. تطبق «داعش» ستراتيجية واسعة على نطاق عالمي للدفاع عن المناطق التي غنمتها في العراق وسوريا ولانشاء فروع لها في مناطق أخرى ذات اغلبية مسلمة وللتشجيع كذلك على ارتكاب الهجمات الارهابية المباشرة في العالم الأوسع. هذا التنظيم صدّر وحشيته واساليبه العسكرية الى جماعات اخرى في ليبيا ومصر وافغانستان ومناطق اخرى، وها هو الآن يستخدم التكتيكيات والمهارات التي اكتسبها في ميادين القتال في الشرق الأوسط لاستثارة ردة فعل عنيفة ضد المسلمين تتمخض فيما بعد عن ظهور مزيد من المتطوعين داخل المجتمعات الغربية لينخرطوا ضمن صفوفه. لهذا السبب ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها التحرك بسرعة لمواجهة هذا التهديد. 
تتمثل ستراتيجية «داعش» في احداث استقطاب داخل المجتمع الغربي .. أو «محو المنطقة الرمادية» كما جاء في نص منشورات التنظيم. تأمل هذه الجماعة أن تسفر الهجمات المتكررة المدمرة التي تنفذ تحت اسمها الى استفزاز الحكومات الأوروبية وإيقاعها في ردة فعل مبالغ بها ضد المسلمين الابرياء وبذلك تكسب نقمة الشرائح المسلمة في مختلف انحاء القارة الاوروبية وتدفعها دفعاً الى احضان التطرف. فظائع باريس ليست الا الحدث الأحدث في هذه الحملة المتسارعة، فالمواطنون الغربيون الذين يقاتلون بين صفوف «داعش» في العراق وسوريا كانوا يقدمون دعمهم المادي المباشر أو عبر الانترنيت منذ شهر كانون الثاني لمساعي تنفيذ عمليات اجرامية في باريس وكوبنهاغن وبالقرب من ليون في فرنسا، بالاضافة الى محاولات للهجوم في لندن وبرشلونة وفي نواح قريبة من بروكسل، وربما كان مقاتلو «داعش» هم المسؤولون بالفعل عن تدمير طائرة الركاب الروسية فوق سيناء. هذه الهجمات ليست افعالاً عشوائية، ولا هي موجهة في الاساس للتأثير على الغرب كي يغير سياسته في الشرق الأوسط، انها بالاحرى جزء من حملة يشنها تنظيم يمتلك قدرات عسكرية الهدف منها حشد وتجنيد لاعبين موجودين اصلاً في اوروبا بالاضافة الى اخرين جدد غيرهم.
الستراتيجية صريحة لا لبس فيها، حيث اعلنت «داعش» نفسها بعد الهجوم الذي وقع على مجلة
«تشارلي ايبدو» في شهر كانون الثاني الماضي أن مثل هذه الهجمات «سوف تجبر الصليبيين على محو المنطقة الرمادية بأيديهم، لأن المسلمين في الغرب سرعان ما يجدون انفسهم بين واحد من خيارين، اما الارتداد عن الدين او الهجرة الى الدولة الاسلامية للنجاة بأنفسهم من اضطهاد الحكومات الصليبية ومواطنيها لهم»، على حد تعبير التنظيم. فوفقاً لحسابات الجماعة أنها ستتمكن بعدد صغير من  المهاجمين من تغيير نظرة المجتمع الاوروبي الى ابناء شريحته المسلمة، البالغ تعدادها 44 مليون فرد، ونتيجة لذلك ستتغير نظرة المسلمين الأوروبيين الى انفسهم. من وراء هذا الاستفزاز يسعى التنظيم الى خلق الظروف المواتية لنشوب حرب كارثية مع الغرب.
الأمر المؤسف هو أن استجابة العناصر المؤثرة في المجتمع الأوروبي جاءت مثلما تمنت «داعش»، لأن احزاب اليمين المتطرف اخذت تزداد  قوة اليوم في العديد من البلدان الأوروبية. ففي شمال فرنسا يتوقع أن تفوز الجبهة الوطنية الفرنسية في انتخابات الشتاء المقبل، وكانت «مارين لابين»، زعيمة الجبهة المذكورة، قد اعلنت في وقت سابق من هذا الشهر ان كل من يقيم علاقات مع الاسلاميين سوف يعد في صف اعداء فرنسا، على حد قولها. كذلك فاز «حزب الشعب الدانماركي» بنسبة 21 بالمئة من الاصوات في الانتخابات الوطنية التي جرت في شهر حزيران الماضي، وخطاب هذا الحزب قائم على القومية ومعاداة الاسلام. وفي السويد تتصاعد بشكل ثابت شعبية الديمقراطيين وهم اصحاب نزعة تعادي الاجانب.
ما الذي تنبئنا به هجمات باريس عن «داعش»؟
من المؤكد أن هجمات باريس سوف تطلق ردة فعل عنيفة ضد المسلمين، وهذا هو ما أكد عليه المتظاهرون الذين خرجوا في مدينة ليل الفرنسية رافعين لافتة تقول: «اخرجوا المسلمين». لم يعد على «داعش» أن تختلق القصص والحكايات كي تثبت كراهية الغربيين للمسلمين، كل ما عليها الان هو نشر صور السياسي الهولندي «جيرت وايلدرز» الذي اعلن مؤخراً: «كلما قل المسلمون كان أفضل». كما ارتكب اشخاص عشرات الهجمات في المانيا هذه السنة واشعلوا الحرائق التي استهدفت طالبي اللجوء والملاجئ، في حين استهدف المتطرفون المواطنين المسلمين في فرنسا. كذلك خلق التدفق المستمر لمئات الألوف من اللاجئين والمهاجرين القادمين من مناطق الشرق الأوسط وافريقيا بيئة مثالية لحملة «داعش».
اي من هذه النشاطات المعادية للمسلمين لا يجوز التذرع بها كمبرر للفظائع التي ترتكبها «داعش»، ولا هي السبب الذي ادى اليها. فـ «داعش» سوف تواصل ارسال المقاتلين وتجنيد المسلمين المحليين المتضررين الغاضبين مهما فتحت اوروبا ذراعيها واسعاً ورحبت بالمسلمين أجمل الترحيب. بيد أن الاتيان بردة فعل شديدة بحق مسلمين لا علاقة لهم بفكر «داعش» او افعالها سوف تجعل الموقف اسوأ. ينبغي على اوروبا ان تتحاشى الوقوع في الفخ الذي تنصبه لها «داعش» بأن تجعل ردها على 
هجمات باريس واشباهها من الجرائم البشعة محصوراً بالجناة فقط ومن يقدم لهم العون والمساندة.
الا ان الأمر الأشدّ الحاحاً الآن هو ان تتقبل اوروبا والولايات المتحدة حقيقة ان الحرب الطائفية الطويلة المستمرة في الشرق الأوسط هي الخطر الأكيد الماثل على سلامتها وامنها الداخلي. فالحربان في سوريا والعراق تعملان على حشد المتطرفين من شتى انحاء العالم، وهما حلبتان جاهزتان تتيحان للارهابيين اكتساب المهارات الحربية ثم حملها مباشرة الى الغرب. لذا يجب ان نكف عن أخذ هذه الصراعات بعين التهاون، كما أن علينا تحاشي الاغراءات الداعية الى اعادة تنصيب الانظمة الدكتاتورية على امل انها وحدها القادرة على هزيمة هذا العدو الذي صنعته واحتواء الصراع الذي اذكته.
يجب ان تتحول هجمات باريس الى نداءات للعمل على انهاء تلك الحروب التي تقطع اوصال الشرق الأوسط وتغرق العالم بطوفان من اللاجئين اليائسين. فهؤلاء اللاجئون برهان لنا على أننا لن ننعم بالسلام في اوطاننا بينما ملايين البشر يكتنفهم اتون الحرب.

Post Top Ad

Your Ad Spot

الصفحات