على خط النار أمام «داعش» بالعراق هنا أبوبكر البغدادى، هنا «داعش» هنا الأعلام السوداء ورايات القتال، هنا الموت، هنا الحقيقة الموجودة بين حطام المنازل المهدمة، وعلى جبهات القتال المشتعلة وخلف صرخات النساء والأطفال على قتلاهم، وأسفل التراب فى المقابر الجماعية، وجدناها فى زغاريد النساء خلف رجالهن على الجبهات، وبين الأيادى الناعمة التى خرجت للقتال بالجلابيب السوداء المحتشمة للدفاع عن قراهم، وجدناها بين المزاح الأخير قبل الموت، وبين صدور أولئك الذين يلهثون خلف القتال بحثاً عن الموت الجميل. كانت تلك الحقيقة التى تنتظرنا حينما سألنا أنفسنا «لماذا العراق؟» وقبل أن نحزم أمتعتنا ونذهب إلى تلك البقاع الموحشة، كنا نظن أن هناك شيئاً مهماً ينتظرنا -وكنا مُحقين- ذهبنا لنشهد على الحرب وعلى فظاعات من نصّبوا أنفسهم رمزاً وحيداً صحيحاً للإسلام تحت اسم «الدولة الإسلامية فى العراق والشام»، ذهبنا لنجلس على الجبهات الأكثر خطراً ورعباً وإلى جوار البنادق وهى تطلق والمدافع وهى تقصف والصواريخ وهى تستهدف، اقتربنا بشدة من أشباح داعش وهم يطلقون النار علينا، وكدنا نقيس فوهات بنادقهم، ذهبنا وأيقنا أن الحقيقة ليست فى الخلف وأنها موجودة فى الأمام، موجودة مع المدافعين عن بلدهم يداً واحدة، وجدنا السنى مع الشيعى على جبهة واحدة، وجدنا الجيش والحشد والشرطة الاتحادية على نفس المواقع بينما الموت يرقد أمامهم على بعد أمتار قليلة. من «البوعيثة» إلى «الصقلاوية» و«ناظم التقسيم»، ثم «الثرثار» و«سامراء» حتى «الضلوعية» و«تكريت» و«الديوانية»، وجنوباً «النجف» و«الكوفة»، لم يهدأ بالنا فى هذه الرحلة الشاقة التى خططنا لها على مدار شهور طويلة، آثرنا فيها إظهار ما خفى عنّا وعنكم، استمعنا إلى أهل بلاد الرافدين، كنا كلنا آذاناً صاغية لمن يسكنون الخنادق على الجبهات ومن يسكنون القرى والمدن بل وحتى النازحين الذين سكنوا مخيمات تعج بقصص المعاناة فى الهروب من الموت، وأخيراً.. عدنا لكى نشهد على الحرب. ومن بين الذين يقفون فى الخلف ينتظرون أخبار العائدين من «التهلكة» يستمعون إليهم وما يجرى فى المعارك الطاحنة، «الوطن» لم تقف مع أولئك المتحصنين بمئات الكيلومترات بعداً عن الجبهة والموت، فانطلقت متلهفة لرصد شدة القتال والمعارك على أكثر الجبهات قسوة فى «الفلوجة» أمام تنظيم «داعش». هنا فى جبهة «الصقلاوية» أى خطأ يكلفك حياتك، فلا تزال تلك الجبهة التابعة للفلوجة بمحافظة الأنبار تشهد قتالاً عنيفاً ومحاولات انتحارية جنونية تكشف بعمق عن مدى رجعية الحرب مع التنظيم «الأسود» الذى لا يراعى فى حربه أى مبادئ للشرف، حتى إنه لم يترك منازل الأبرياء من الأهالى إلا ودمرها، فأصبح الطريق إلى الجبهة مشوهاً بمشاهد التدمير ورائحة الموت التى تفوح من بين الركام والحجارة المهدمة.