تغير كل شيء في عالم اليوم على كل الصعد. تطور التكنولوجيا كان حاسماً في كثير من القرارات؛ لذلك مثلاً ينفق الغرب الكثير من المال على الاختراعات والاختبارات العلمية. لم تعد الحروب تكسب فقط بالقوة العسكرية. الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية سقطا في أكبر معركة غير عسكرية عرفها التاريخ، وكانت تتطلب لتحقيق النتائج التي حصلت، عشرات ملايين القتلى والجرحى، وكانت ستحدث دماراً شبه شامل في الكرة الأرضية.
اختراع تكنولوجيا الحاسوب والإنترنت، أعاد هيكلية الاقتصاد العالمي، وباتت تتحكم فيه مؤثرات لم تكن موجودة من قبل. عالم الرياضة أصبح أسير التكنولوجيا والتجارة. نسوق هذا الكلام بمناسبة إجراء المونديال في روسيا، والذي يجذب ويحبس أنظار العالم كله أكثر وأكثر، مع اقتراب مواعيد المباريات النهائية.
كانت كرة القدم لعبة الأحياء الفقيرة. لم يكن لأطفال الضواحي والأزقة سوى خرقة بالية يلفّونها ويلعبون بها. هكذا ظهر نجوم الأمس من بيليه إلى مارادونا، كانوا نجوماً بالمجان. وبالكاد كان لاعب مشهور يلعب خارج بلاده، لم يكن الاحتراف منتشراً على نطاق واسع، ولذلك نرى أن دوريات كبيرة تجذب اهتمامات العالم، لكن منتخباتها الوطنية ليست قوية. لم تعد هناك «وطنية» في كرة القدم. هناك أندية في بلد ما، لا يوجد فيها لاعب وطني واحد. الاحتكار الذي يُخفي جوهر اللعبة الاقتصادية دخل عالم كرة القدم، ضعفت المنتخبات الوطنية وارتفعت أسهم الأندية المعولمة مثل ريال مدريد، وبرشلونة، وليفربول ومانشستر يونايتد وغيرها؛ لذا مثلاً نجد أن معظم لاعبي المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم ليسوا مشهورين، أوعلى المستوى العالي للاعبين آخرين.
دخل المال عالم كرة القدم ورياضات أخرى، لكن المشكلة الأكبر تكمن في جعل مشاهدة كرة القدم مسألة مالية، قبل أن تكون رياضية. في الماضي لم تكن توجد صحون فضائية. كان التلفزيون الوطني في كل بلد، هو الذي ينقل المباريات وبالمجان لكل الناس، فيشاهدون المباريات من بيوتهم في مدنهم وقراهم والمناطق النائية وبمزاج جميل، كان اتحاد كرة القدم العالمي يتفق مع كل بلد على حدة وبأسعار زهيدة.
مع التقاط الصحون الفضائية بات بالإمكان التطلع إلى خارج الحدود، وتطلع اتحاد كرة القدم العالمي، إلى خارج الأخلاق الرياضية. دخلت المحسوبيات وعامل المال والفساد، لتكون لها الأولوية. مونديالات كثيرة تبين أنها اشتريت بالمال، ومنها مونديال ألمانيا عام 2006. وقبل ذلك وباعتراف ميشال بلاتيني، فإن قرعة الأدوار المتقدمة في مونديال فرنسا عام 1998، تم التلاعب بها حتى لا تلتقي فرنسا مع البرازيل قبل الدور النهائي. والأمر نفسه يتعلق بمونديال روسيا الحالي، وبمونديال قطر عام 2022، حيث لم يتوقف الحديث عن عمليات شراء أصوات لاختيار مكان إقامتهما.
وقد انفجرت فضائح «الفيفا» التي أطاحت برئيسه سيب بلاتر، والتي أظهرت فساداً ورشى بمليارات الدولارات، وحتى لدى اختيار مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كانت الضغوط قوية جداً خارج المبادئ الرياضية لاختيار بلد آخر غير المغرب، الذي كانت حظوظه كبيرة ليستضيف المونديال، لكن السياسة كانت الأقوى، في ظل كون الولايات المتحدة طرفاً في عملية الاستضافة.
غير أن أحد أخطر الجوانب في عالم كرة القدم، هو عملية احتكار شركات خاصة وعلى نطاق جغرافي واسع، لعمليات بث المونديال. ورغم بعض التبريرات يمكن أن ندرج عمليات بث المباريات في الدوريات الوطنية في السياق نفسه.
لكن كيف يمكن للفيفا أن يفرض على شركة خاصة متمولة، أن تبث مباريات المونديال لمنتخبات وطنية بالكامل في دول قد يبلغ عددها أحياناً أكثر من ثلاثين دولة؟ كيف يمكن لمشاهدين في بلد ما، أن يُمنعوا من مشاهدة منتخب بلدهم يلعب من دون أن يدفعوا لشركة خاصة لا تنتمي إلى بلدهم، ولا حتى إلى أي بلد آخر؟
لا تُسأل مثل هذه الشركات الخاصة عن أي مسؤولية، فهي تتحرك من منطق الربح والخسارة؛ بل إن المسؤولية الوحيدة تقع على عاتق الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي حوّل الاتحاد إلى شركة ربحية لا تفيد عالم كرة القدم بشيء، سوى في جعلها لعبة أغنياء لا فقراء، وفي جعل الفيفا طرفاً في عمليات فساد تنكشف بعد سنوات.
فما الذي يمنع الفيفا من أن يوكل إلى التلفزيون الوطني في كل دولة، بث المباريات بكلفة مقبولة، بدلاً من تحكم شركات خاصة في رقاب المشاهدين، وبمبالغ تفوق قدرة معظمهم؟
كرة القدم لا سيما المونديال، تحول إلى مناسبة سياسية وتجارية بامتياز. والحل يكون بتحرك الدول المعنية لمنع الفيفا من الاستمرار في هذه السياسات، التي لا تمت إلى الأخلاق ولا الروح الرياضية بصلة.
اختراع تكنولوجيا الحاسوب والإنترنت، أعاد هيكلية الاقتصاد العالمي، وباتت تتحكم فيه مؤثرات لم تكن موجودة من قبل. عالم الرياضة أصبح أسير التكنولوجيا والتجارة. نسوق هذا الكلام بمناسبة إجراء المونديال في روسيا، والذي يجذب ويحبس أنظار العالم كله أكثر وأكثر، مع اقتراب مواعيد المباريات النهائية.
كانت كرة القدم لعبة الأحياء الفقيرة. لم يكن لأطفال الضواحي والأزقة سوى خرقة بالية يلفّونها ويلعبون بها. هكذا ظهر نجوم الأمس من بيليه إلى مارادونا، كانوا نجوماً بالمجان. وبالكاد كان لاعب مشهور يلعب خارج بلاده، لم يكن الاحتراف منتشراً على نطاق واسع، ولذلك نرى أن دوريات كبيرة تجذب اهتمامات العالم، لكن منتخباتها الوطنية ليست قوية. لم تعد هناك «وطنية» في كرة القدم. هناك أندية في بلد ما، لا يوجد فيها لاعب وطني واحد. الاحتكار الذي يُخفي جوهر اللعبة الاقتصادية دخل عالم كرة القدم، ضعفت المنتخبات الوطنية وارتفعت أسهم الأندية المعولمة مثل ريال مدريد، وبرشلونة، وليفربول ومانشستر يونايتد وغيرها؛ لذا مثلاً نجد أن معظم لاعبي المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم ليسوا مشهورين، أوعلى المستوى العالي للاعبين آخرين.
دخل المال عالم كرة القدم ورياضات أخرى، لكن المشكلة الأكبر تكمن في جعل مشاهدة كرة القدم مسألة مالية، قبل أن تكون رياضية. في الماضي لم تكن توجد صحون فضائية. كان التلفزيون الوطني في كل بلد، هو الذي ينقل المباريات وبالمجان لكل الناس، فيشاهدون المباريات من بيوتهم في مدنهم وقراهم والمناطق النائية وبمزاج جميل، كان اتحاد كرة القدم العالمي يتفق مع كل بلد على حدة وبأسعار زهيدة.
مع التقاط الصحون الفضائية بات بالإمكان التطلع إلى خارج الحدود، وتطلع اتحاد كرة القدم العالمي، إلى خارج الأخلاق الرياضية. دخلت المحسوبيات وعامل المال والفساد، لتكون لها الأولوية. مونديالات كثيرة تبين أنها اشتريت بالمال، ومنها مونديال ألمانيا عام 2006. وقبل ذلك وباعتراف ميشال بلاتيني، فإن قرعة الأدوار المتقدمة في مونديال فرنسا عام 1998، تم التلاعب بها حتى لا تلتقي فرنسا مع البرازيل قبل الدور النهائي. والأمر نفسه يتعلق بمونديال روسيا الحالي، وبمونديال قطر عام 2022، حيث لم يتوقف الحديث عن عمليات شراء أصوات لاختيار مكان إقامتهما.
وقد انفجرت فضائح «الفيفا» التي أطاحت برئيسه سيب بلاتر، والتي أظهرت فساداً ورشى بمليارات الدولارات، وحتى لدى اختيار مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كانت الضغوط قوية جداً خارج المبادئ الرياضية لاختيار بلد آخر غير المغرب، الذي كانت حظوظه كبيرة ليستضيف المونديال، لكن السياسة كانت الأقوى، في ظل كون الولايات المتحدة طرفاً في عملية الاستضافة.
غير أن أحد أخطر الجوانب في عالم كرة القدم، هو عملية احتكار شركات خاصة وعلى نطاق جغرافي واسع، لعمليات بث المونديال. ورغم بعض التبريرات يمكن أن ندرج عمليات بث المباريات في الدوريات الوطنية في السياق نفسه.
لكن كيف يمكن للفيفا أن يفرض على شركة خاصة متمولة، أن تبث مباريات المونديال لمنتخبات وطنية بالكامل في دول قد يبلغ عددها أحياناً أكثر من ثلاثين دولة؟ كيف يمكن لمشاهدين في بلد ما، أن يُمنعوا من مشاهدة منتخب بلدهم يلعب من دون أن يدفعوا لشركة خاصة لا تنتمي إلى بلدهم، ولا حتى إلى أي بلد آخر؟
لا تُسأل مثل هذه الشركات الخاصة عن أي مسؤولية، فهي تتحرك من منطق الربح والخسارة؛ بل إن المسؤولية الوحيدة تقع على عاتق الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي حوّل الاتحاد إلى شركة ربحية لا تفيد عالم كرة القدم بشيء، سوى في جعلها لعبة أغنياء لا فقراء، وفي جعل الفيفا طرفاً في عمليات فساد تنكشف بعد سنوات.
فما الذي يمنع الفيفا من أن يوكل إلى التلفزيون الوطني في كل دولة، بث المباريات بكلفة مقبولة، بدلاً من تحكم شركات خاصة في رقاب المشاهدين، وبمبالغ تفوق قدرة معظمهم؟
كرة القدم لا سيما المونديال، تحول إلى مناسبة سياسية وتجارية بامتياز. والحل يكون بتحرك الدول المعنية لمنع الفيفا من الاستمرار في هذه السياسات، التي لا تمت إلى الأخلاق ولا الروح الرياضية بصلة.